صديق الحسيني القنوجي البخاري

108

فتح البيان في مقاصد القرآن

عن ابن مسعود قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « العبد يولد مؤمنا ، ويعيش مؤمنا ، ويموت مؤمنا ، والعبد يولد كافرا ، ويعيش كافرا ، ويموت كافرا ، وإن العبد يعمل برهة من دهره بالسعادة ، ثم يدركه ما كتب له ، فيموت شقيا وإن العبد يعمل برهة من دهره بالشقاء ، ثم يدركه ما كتب له فيموت سعيدا » ، أخرجه ابن مردويه ، ثم لما ذكر سبحانه خلق العالم الصغير اتبعه بخلق العالم الكبير فقال : خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ خلقا متلبسا بِالْحَقِّ أي بالحكمة البالغة ، وقيل : خلق ذلك خلقا يقينيا لا ريب فيه ، وقيل . الباء بمعنى اللام ، أي خلق ذلك لإظهار الحق ، وهو أن يجزي المحسن بإحسانه ، والمسئ بإساءته ، ثم رجع سبحانه إلى خلق العالم الصغير كذا قال مقاتل ، وقيل : المراد جميع الخلائق وهو الظاهر ، أي أنه سبحانه خلقهم في أكمل صورة وأحسن تقويم ، وأجمل شكل وأبهاه ، لا يتمنى الإنسان أن تكون صورته على خلاف ما يرى من سائر الصور قال بعض الحكماء شيئان لا غاية لهما ، الجمال والبيان ، والتصوير والتخطيط والتشكيل ، قرأ الجمهور صوركم بضم الصاد وقرىء بكسرها . وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ في الدار الآخرة لا إلى غيره . وعن أبي ذر قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إذا مكث المني في الرحم أربعين ليلة أتاه ملك النفوس ، فعرج به إلى الرب فيقول : يا رب أذكر أم أنثى ؟ فيقضي اللّه ما هو قاض ، فيقول : أشقي أم سعيد ؟ فيكتب ما هو لاق ، وقرأ أبو ذر من فاتحة التغابن خمس آيات إلى قوله : وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ » أخرجه عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه . يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا تخفى عليه من ذلك خافية وَيَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ أي ما تخفونه وما تظهرونه ، والتصريح به مع اندراجه فيما قبله لمزيد التأكيد في الوعد والوعيد وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ جملة مقررة لما قبلها من شمول علمه لكل معلوم ، وهي تذييلية ، وقال الخطيب : كل واحدة من هذه الثلاث أخص مما قبلها وجمع بينها إشارة إلى أن علمه تعالى محيط بالجزئيات والكليات لا يعزب عنه شيء من الأشياء . أَ لَمْ يَأْتِكُمْ استفهام توبيخ أو تقرير نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ أي من قبلكم ، وهم كفار الأمم الماضية ، كقوم نوح وعاد وثمود والخطاب لكفار العرب ، وقوله : فَذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ معطوف عليه كفروا ، عطف المسبب على السبب ، وعبر عن العقوبة بالوبال إشارة إلى أنها كالشئ الثقيل المحسوس ، وذلك لأن الوبال في الأصل الثقل والشدة ، ومنه الوبيل للطعام الذي يثقل على المعدة ، والوابل المطر